| | ![]() |
| ||||||||
|
محمد أبو رحمة لم يتوقع أن يحدث له ما حدث له. مع أنه رجل ذو حدوس. ولا توقع أن ما حدث له يمكن أن يحدث لكل الناس في نفس الوقت، لأن ذاك الذي حدث له، لا يمكن توقعه أصلا. بصراحة. نام وهو يعرف أنه يقيم في غرفة صغيرة، لاستعمال السائقين الخاصيْنَ، في بيت يملكه أناس يكترثون بالورد جدا، في منطقة تتردد إليها الكثير من الغزلان والطيور المشتاقة ، والإناث اللواتي يمارسن رياضة المشي في زمن صار فيه فرسان الأحلام جبناء يحترفون الفرار بمجرد إغلاق هواتفهم النقالة، وهي بالطبع منطقة نادرة لهذا السبب بالذات، فلا يمكن تخيل كل هذا العدد من الغزلان والطيور في منطقة حديثة الأبنية، تميزها عماراتها الشاهقة التي صممها مهندسون كانوا شعراء بلا قصائد، وفنانون بلوحات تجريبية لغايات النجاح في امتحانات التأهل للقبول الجامعي، لكنهم مع ذلك شيدوا مدنا ذات خصائص حالمة تشتمل على مهارب عديدة لفرسان أحلام جبناء. بشوارع واسعة، وأرصفة خضراء متوردة ،وأسواق تعرض على رفوفها عددا يصعب حصره من معادلات الفيزياء ونظريات الفلك والخيرات الألكترونية والهندسة. حتى البصل والبطاطا على رفوف العرض تبدو مدللة أكثر من “الإبن البكر” ومن ” آخر العنقود” ، بل يمكن افتراض أن كل حبة كوسا وباذنجانة وعلبة سردين تعامل كما لو أنها الابن الوحيد لعائلة مسكونة بالقلق على شجرة النسب. ما علينا ، المهم أن ما حدث له فعلا يعد، بكل المقاييس، شيئا فريدا . اذ أنه نام لخمس دقائق فقط، وحين أفاق كانت ذاكرته قد اختفت، هكذا بكل تعقيد. طبعا لا أقول فقد الذاكرة ، بل أقول اختفت ذاكرته، اختفت وهذا ما أعنيه بالضبط، ما علينا. المهم أفاق كما لو أنه مولود جديد، لا يعرف أي شيء، لآن أي شيء لم يكن قد حدث له قط، يرى “كل شيء” كما لو أنه لوحة مسمارية كتبت بإزميل متخيل، أو صيغت بأبجدية كنعان الأولى، أو كما لو أنه سائح في مدينة غريبة أو أنه حركةُ ريشة في لوحة فن تشكيلي رسمها فنان تاه في دهاليز الألوان واختفى لهذا السبب، في غياهب الاٌحتمالات. أو كما لو أنه أفاق في مدينة يجهلها تماما ولا يعرف ما تعنيه مفرداتها مطلقا ، ولا لديه مرجعية لتحليل أي شيء . نعم أفاق من نومه بذاكرة بيضاء كزهر اللوز والقطن والزبد في أشعار محمود درويش أو كصحراء غسان كنفاني في رجال في الشمس. أفاق من نومه مضاء ببريق الفضة كأرض غمرتها الثلوج. أو غطتها الأعشاب الأولى أو غمرها الرذاذ الكوني في أحد أفلام الخيال العلمي. نعم أفاق من دقائق نومه الخمس كما لو أنه هاتف نقال قام أحدهم باستبدال بطاقة ذاكرته، ببطاقة ذاكرة أخرى فارغة تماما. بلا قائمة أسماء يعرفهم ويعرفونه، ولا “مكالمات لم يرد عليها” ولا “المكالمات المستلمة “ ولا التي تم طلبها” ولا” الرسائل المرسلة” أو “صندوق الوارد”، أو “تم تسليمها، ولا حافظاتي، أو ملاحظات ، ولا مواقع انترنت، ولا شتائم، ولا شيء ، لأنه ما من شيء حدث. لم يعرف أحدا كي يتصل به ذاك الأحد، ولا اختلف مع أحد كي يرفض الرد عليه ، ولا أحب أحدا، ولا كره امرأة كي يرسل إليها” أرجوك لا تتصلي بي بعد اليوم” ولا تنكرت له امرأة كي ترسل اليه: ” عفوا مين معي”؟ فيرد عليها ” دخيل ربك. عندما لا تعرفين أنت مين معك لا أعرفه أنا أيضا”. نعم أفاق بلا شيء من ذاك أو ذلك. أفاق مولودا في الظلام من رحم الكهف الأول ، كرضيع يستلهم الحياة من حلمات ليست حمراء تماما لكنها داكنة في نهود البياض المعتقة بسواد القهوة ، لم يسأل من أنا؟ ، ولا أراد أن يسأل ما أنا؟ لأن الأنا ببساطة لا مكان لها في نقاء الولادة الأولى. أول ما تفتحت عيناه رأى كائنا يشبهه في الروح والشخصية والحضور نائما في الغرفة المجاورة التي تسمى في عرف الأزواج” غرفة النوم” . وعندما سأل حبيبته الوحيدة التي كانت موجودة لحظة اختفاء ذاكرته قالت له: تلك اسمها المرأة. انظر: “لها صدر أعلى من صدرك، تعلوه توتتان حمراوان باردتان ، وأقواس حوضها أكثر حدية وانحناء من أقواس حوضك أنت، كما أن هناك فرق واضح في موضع الآبار بين الجسدين”. وهكذا عرف أن الفرق الجوهري بين الرجل والمرأة هو توزيع الأقواس فحسب ، لا أكثر ولا أقل . فالمرأة تتكون من أقواس متقابلة وأكثر انحناء كأيقونة العسل في زجاجة الورد القابلة لاحتمالات الكيد في أي صاعق قد يصير إرهابيا، إذا علته ذرة شك، في بحر الضغينة المالح كما أن لها صدر يشبه الينبوع يعلوه جبين حالم وحنون. بينما يتكون الرجل من حوض ذي أقواس أكثر استقامة وقلب يشبه البركان، يعلوه جبين عابس ومشروع أحمق . لا سيما عندما يحب , ولذاك يصير غير ذاته.أما الأنثى فلا يمكن أن تصير، لأنها صارت. وحين أجال عينيه في المكان رأى جهازا له شاشة وأمام الشاشة لوحة تحكم ، فسأل ما هذا؟ لحظتها أمسكته حبيبته من يده بعصبية ونزق وجالت به في المكان فعلمته الأسماء كلها. هذا حاسوبك الذي كتبت لي عليه آخر قصائدك واحتفظت بصورتي وأنا أرتدي طربوش الساحرات العالي ببنطالي الجينز الضيق وندمت لاحقا إلى حد البكاء لأنك مزقتها. وهذه خارطة وطنك الضائع بشكلها الذي يشبه السيف. وهذه صورة شهيدك العالي غسان كنفاني وناجي العلي وفارس عودة. وهذا كتاب يضع الرجال فيه كل هزائمهم في الحرب والحب مع الحياة والمرأة ، ما لم يكن ديوان شعر فيكون عندها نوعا من الحدائق الخرافية. وهذا عود كنت تعزف لي عليه بعض الأغنيات بشكل رديء وكنت مع ذلك أحبها لأنك عزفتها لي وحدي ، فلا تظن أنك عاصي الرحباني أو رياض السنباطي. لحظتها نظر إلى شفتيها وسأل: ما هذه؟ فقالت: هذه شفتاي أبتسم لك بها أحيانا وأستعملها للأكل أحيانا، وأحيانا أستعملها لإشعال الحرائق. ثم بدأت تعد له لوازم الخروج ” قميصه المكوي وحذاءه اللامع وبنطاله الأسود ورشت على ظله بضع رشات من عطره المفضل”. وكان بعد لحظة في الشارع ، يشير إلى سيارة أجرة، سأله السائق: إلى أين يا أخ؟ فنظر إلى السائق وسأله : هل ينبغي لي أن أجيب على هذا السؤال؟ أقصد هل عليّ أن أعرف الى أين أذهب؟ فقال السائق وهو يمسح ضباب أنفاسه عن الزجاج الأمامي : طبعا يا رجل عليك أن تعرف حين تخرج إلى أين تذهب؟ على الفور أمسك بهاتفه الخلوي واتصل بحبيبته ، قال لها: حبيبتي يقول لي السائق أن من يخرج من بيته عليه أن يعرف إلى أين يذهب . فقالت له بعد ابتسامة مات فيها ذات حلم: حبيبي عليك عندما تخرج من عندي أن تذهب إلي. ظ…ط¯ظˆظ†ط© ظ…ط*ظ…ط¯ ط£ط¨ظˆ ط±ط*ظ…ط© (جميع الحقوق لا يمكن حفظها)
|
| اعلانات |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه للموضوع: الحب بلا ذاكرة | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| قاموس الحب | راغب | المنتدى العام | 8 | 29-10-2009 07:35 PM |
| بحور الحب.. لكل شفاه تنطق كلمة احبك | sako | المنتدى العام | 2 | 25-06-2009 03:38 PM |
| الحب .؟! | البرج الابيض | المنتدى العام | 6 | 06-04-2009 12:55 AM |
| اروع ما قــــــيـــل عن الــــحــب | SONS OF LIFE | المنتدى العام | 4 | 13-10-2008 05:24 AM |
| قالوا عن الحب .. | elyasrafi | سحر مكتوب | 7 | 16-07-2008 05:18 AM |
| Safatly.com on Facebook |
| |
| إن الموقع لا يتحمل أي مسؤولية بالآراء المطروحة، و ليست
بالضرورة تمثل رأي الموقع | |||
| |